كلمة السيد المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان في المؤتمر الدولي الثالث للآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع
يشرفني أن أتناول الكلمة باسم المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان في المملكة المغربية في افتتاح هذا المؤتمر الدولي الثالث حول الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع ( (NMIRFs، الذي ينعقد في لحظة مفصلية بالنسبة لحكامة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي.
ويسعدني أن أتقدم بعبارات الشكر إلى الجمهورية البرتغالية على حفاوة الاستقبال، وعلى التزامها المتواصل بدعم الحوار متعدد الأطراف والتعاون القائم على القيم الكونية لحقوق الإنسان.
كما أود أن أشيد بالدور المحوري الذي تضطلع به المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، باعتبارها شريكا استراتيجيا للدول ولشبكة الآليات الوطنية، وتدعم الجهود الرامية إلى تنزيل الالتزامات الدولية إلى سياسات عمومية فعّالة وللتوصل إلى نتائج ملموسة لفائدة المواطنين.
السيدات والسادة،
إن ما يجمعنا اليوم ليس مسألة تقنية أو إجرائية فحسب، بل هي قضية ذات بعد سياسي عميق، تمس مصداقية التزاماتنا الدولية، وقدرة دولنا على الوفاء بتعهداتها، ودرجة الثقة التي يضعها المواطنون في المؤسسات العمومية.
وفي هذا السياق، فإن الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع ليست مجرد آليات إدارية، بل آليات ذات مهمة أساسية لأنها تعكس اختيارا سياسيا واضحا يتمثل في جعل تنفيذ التوصيات الدولية محورا مهيكلا للعمل الحكومي، يقوم على التنسيق والمساءلة واستمرارية الدولة.
وهي الرؤية التي تندرج في المغرب ضمن التوجهات الاستراتيجية وتحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي جعل حقوق الإنسان في صلب مشروع الإصلاح الديمقراطي والتحديث المؤسساتي للمملكة. إذ أكد دستور 2011 على مكانة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وأرسى أسس بنية مؤسساتية متجددة قائمة على الفصل بين السلط، وضمان حكامة جيدة، إضافة إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا الإطار، تضطلع المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بدور محوري باعتبارها آلية حكومية للتنسيق وتتبع تنفيذ الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان. وتعمل كواجهة استراتيجية بين القطاعات الوزارية، والمؤسسات الدستورية، والآليات الدولية، والشركاء الوطنيين والدوليين.
ويتم هذا العمل في تكامل وثيق مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، باعتباره مؤسسة دستورية وطنية مستقلة، يتوافق عملها مع مبادئ باريس، إلى جانب المجتمع المدني باعتباره فاعلا أساسيا في مجال النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها. ويجسد هذا التنسيق المؤسساتي إرادة سياسية واضحة لضمان الشمولية والشفافية ومصداقية المنظومة الوطنية للتتبع.
ولقد اختار المغرب إدماج تنفيذ التوصيات الدولية ضمن برامجه المهيكلة باعتماد مخططات وطنية واستراتيجيات قطاعية وكذا إصلاحات تشريعية ومؤسساتية منسجمة. وتهدف هذه المقاربة إلى جعل حقوق الإنسان في صلب السياسات العمومية والأولويات الوطنية للتنمية.
السيدات والسادة،
إننا واعون بأن التحديات التي تواجه الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع تبقى بمثابة تحديات مشتركة، من بينها: الظرفية الدولية الراهنة التي تهدد مصداقية منظومة حقوق الإنسان، وتعقيد البنيات المؤسساتية، وتزايد عدد الآليات الدولية، والحاجة إلى حسن تدبير المعلومات، وضمان استدامة القدرات، وضرورة توفر أدوات رقمية مندمجة، وهي تحديات تستدعي استجابات سياسية قوية، قائمة على التعاون والتضامن وتبادل التجارب والخبرات.
من هذا المنطق، انخرط المغرب بكل عزم في إحداث وتعزيز الشبكة الدولية للآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، وبفضل التزامه داخل اللجنة التنفيذية التي ينسق أعمالها منذ ميلاد الشبكة، يعتبر المغرب أنها منصة مهيكلة لتبادل الخبرات وتعزيز القدرات وكذا التشارك في بلورة حلول مبتكرة وواقعية وملائمة تأخذ بعين الاعتبار السياقات الوطنية.
وفي إطار هذه الدينامية الرامية إلى تعزيز البناء المؤسساتي والارتقاء بالأداء العملي، يقتضي طموحنا الجماعي اليوم التوفر على أداة مشتركة في مستوى الالتزامات المعلنة، قادرة على تنظيم أولوياتنا، ومواءمة مناهج عملنا، وتقديم حصيلة موثوقة للتقدم المحرز، وهذا هو هدف خطة عمل الشبكة، التي يعرض مشروعها خلال هذا المؤتمر كمحطة سياسية أساسية، لأنه يوفر إطارا استراتيجيا مشتركا لتوحيد الجهود وضمان انسجام الأعمال، وترجمة التزاماتنا إلى نتائج قابلة للقياس.
إذ يولي المغرب أهمية خاصة لهذه الخطة، ويجدد تأكيد عزمه أن يكون فاعلا ملتزما ومسؤولا في تنفيذها، كما نلتزم من الآن بالمساهمة في إعداد الوثائق المرجعية للشبكة، وإعطاء دينامية جديدة لهيكلتها، بما يعزز موقعها داخل البنية المؤسساتية الدولية لحقوق الإنسان، مع تعزيز التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، والتشاور مع مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان.
السيدات والسادة،
إن مستقبل الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع رهين بمدى قدرتنا الجماعية على جعل حقوق الإنسان، مشروعا مشتركا تتبناه الدول وليس مجرد التزام شكلي، ولتكون هذه الحقوق في خدمة الكرامة الإنسانية والاستقرار المؤسساتي والتنمية المستدامة.
وأتمنى أن يشكل هذا الملتقى مرحلة جديدة في إبراز أهمية دور الشبكة الدولية للآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، وفي تعزيز التعاون بين بلداننا. ويسعدنا أن نستقبل الاجتماع المقبل للشبكة في المملكة المغربية لتثمين مكتسبات شبكتنا وتطوير أسسها وهياكلها.
وأشكركم على حسن إنتباهكم، وأتمنى لكم كامل التوفيق في أشغالكم.