الخميس 18 ديسمبر 2025

كلمة السيد المندوب الوزارية بمناسبة تخليد الذكرى ال77 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان



السيدة الاريا كارنيفالي، المنسقة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالمغرب



السيدة ماربيل ساندر، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان بالمغرب :



السيدة مريم أوشن نصيري، ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة بالمغرب



السيدات والسادة ممثلات وممثلو القطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية



السادة الخبراء والباحثون :



السادة والسيدات ممثلو وممثلات وسائل الإعلام والمجتمع المدني :



حضرات الضيوف الكرام



يسعدني أن أرحب بكم جميعا في افتتاح هذا اللقاء، الذي يندرج في إطار تخليد اليوم العالمي الحقوق الإنسان، ويتزامن مع الذكرى الستين لاعتماد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري هذه الاتفاقية المرجعية التي أرست دعائم منظومة دولية قائمة على المساواة في الكرامة والحقوق، وعلى رفض كل أشكال الإقصاء والتمييز، أيا كان مصدرها أو مبررها.



لقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الاتفاقية سنة 1965 ، ودخلت حيز التنفيذ سنة 1969، لتشكل إطارا قانونيا دوليا ملزما يدعو الدول إلى اتخاذ تدابير تشريعية وسياسات عمومية وآليات مؤسساتية فعالة ترمي إلى القضاء على التمييز العنصري، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز قيم التعايش والتنوع. ومنذ مصادقة المغرب عليها سنة 1970، انخرط في هذا المسار باعتباره خيارا مبدئيا واستراتيجيا، لا مجرد التزام دولي، وهو ما تجسد من خلال التفاعل المنتظم مع آليات الأمم المتحدة، وملاءمة التشريعات الوطنية، وتعزيز البناء المؤسساتي الحقوق الإنسان، واعتماد سياسات تهدف إلى صون التنوع الثقافي واللغوي، ومناهضة الصور النمطية.



وتقوية الانسجام الاجتماعي



وقد شكل دستور 2011 محطة مفصلية في هذا المسار، حين نص صراحة على مبدأ المساواة. وحظر جميع أشكال التمييز، وكرس قيم الإنصاف وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما تعزز هذا التوجه من خلال الأدوار التي تضطلع بها المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان التي تضطلع بدور محوري في تنسيق وتتبع تنفيذ التزامات المملكة في مجال مناهضة التمييز، ولا سيما من خلال قيادة مسار إعداد وتتبع التقارير الوطنية المقدمة إلى اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، وضمان الطابع التشاركي لهذا المسار



2

والانخراط في تفعيل التوصيات الصادرة عن الآليات التعاهدية، بما يراعي الخصوصيات الوطنية والمعايير الدولية. كما تعمل المندوبية على إدماج مقاربة عدم التمييز في السياسات العمومية، ودعم قدرات الفاعلين العموميين، وتعزيز إنتاج المعرفة وتبادل الخبرات في هذا المجال.



وفي هذا السياق، يشرفنا أيضا، أن نقف اليوم وقفة تقدير ووفاء عند اسم دبلوماسية مغربية بصمت التاريخ الحقوقي الأممي، ويتعلق الأمر بالراحلة السيدة حليمة الورزازي التي تكرمها اعترافا بمسارها المهني والإنساني المتميز داخل منظومة الأمم المتحدة. لقد كرست الراحلة جزءا وازنا من مسارها للدفاع عن قيم المساواة ومناهضة التمييز العنصري، وتولت مهام رفيعة داخل اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، وأسهمت بكفاءة واقتدار في تطوير آليات الرصد والمتابعة، وفي تعزيز حضور قضايا العدالة والكرامة الإنسانية، ولا سيما قضايا الدول النامية داخل النقاشات الأممية. إن استحضار اسمها اليوم لا يندرج فقط في إطار التكريم، بل يشكل دعوة لاستلهام التزامها الأخلاقي ورؤيتها العميقة لحقوق الإنسان باعتبارها ممارسة يومية ومسؤولية جماعية.



السيدات والسادة الأفاضل



إن موضوع لقائنا اليوم مكافحة التمييز: معايير دولية ورهانات وطنية، يطرح إشكالية مركبة ومتعددة الأبعاد، تتقاطع فيها الجوانب القانونية والمؤسساتية مع الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فالتمييز، في تجلياته المختلفة، لا يقتصر على مجال بعينه، بل قد يتخذ أشكالا صريحة أو ضمنية فردية أو بنيوية تمس الولوج إلى الحقوق، وتؤثر على تكافؤ الفرص وتقوض الثقة في المؤسسات، وتحد من إمكانات الاندماج والمشاركة الكاملة في الحياة العامة.



ومن بين المجالات التي تعكس بوضوح هذه التحديات تأتي الرياضة كميدان جماهيري واسع يعكس مستوى تقدم المجتمعات في احترام القيم الكونية، ويكشف في الوقت ذاته عن التحديات المرتبطة بالهوية والانتماء وأنماط التشجيع، مما يجعلها أحيانًا عرضة المظاهر التمييز، سواء عبر الشعارات أو السلوكيات العنيفة أو خطاب الكراهية والعنصرية في الملاعب ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ويتزامن هذا اللقاء مع استحقاقات رياضية بالغة الأهمية بالنسبة للمغرب من تنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025 إلى المساهمة في تنظيم كأس



3العالم لكرة القدم 2030، وهي مناسبة لتكريس نموذج وطني يقوم على الانفتاح والتعدد، ويضع في المقابل مسؤولية واضحة لتعزيز بيئة رياضية خالية من التمييز، تقوم على التشجيع الإيجابي، والأمن الرياضي، وتكافؤ الفرص، وضمان الولوج المتساوي إلى البنيات التحتية والخدمات الرياضية، مع تقوية قدرات الفاعلين الرياضيين والإداريين والأمنيين.



وتندرج هذه الندوة في إطار مقاربة تشاركية تقوم على تقاطع الأدوار بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين، وفي مقدمتهم القطاعات الحكومية المعنية والمؤسسات الدستورية المستقلة. والسلطة القضائية، والسلطات الأمنية، إلى جانب وسائل الإعلام والمجتمع المدني والجامعة والباحثين ذلك أن مكافحة التمييز لا يمكن أن تتحقق فقط عبر النصوص القانونية، بل تقتضي تكاملا بين الوقاية والحماية والإنصاف وتنسيقا فعليا بين الفاعلين على مستوى التشريع والتنفيذ والتتبع والتقييم والتربية.



ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من منطق الالتزام المعياري إلى منطق الأثر الملموس، عبر سياسات عمومية دامجة، وتشريعات فعالة، وممارسات مؤسساتية منسجمة مع المعايير الدولية، فضلاً عن الاستثمار في التربية على حقوق الإنسان، ومناهضة الصور النمطية، وتعزيز ثقافة الاعتراف بالتعدد والاختلاف باعتبارهما مصدر غنى وقوة للمجتمع.



وفي هذا الإطار، تواصل المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان مواكبة الجهود الوطنية الرامية إلى الوقاية من التمييز ومكافحته، من خلال دعم التقائية السياسات العمومية، وتشجيع تبادل التجارب الفضلي، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يسهم في إرساء مقاربة شمولية تقوم على المساواة الفعلية، وصون الكرامة الإنسانية، وعدم التمييز.



كما يشكل التعاون مع منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومع الشركاء الدوليين رافعة أساسية لتعزيز القدرات الوطنية وتبادل الممارسات الفضلي، ولا سيما من خلال التفاعل المستمر مع اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، والاستفادة من أليات الدعم التقني وبناء القدرات، بما يساهم في تطوير السياسات الوطنية وضمان انسجامها مع الالتزامات الدولية للمملكة.



تلكم بعض من مهام المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، باعتبارها آلية بين وزارية موكول لها تطوير العلاقات الدولية في مجال تنسيق العمل للوفاء بالتزامات المملكة المغربية في المجال.

وإرساء علاقة تعاون مثمر مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان التعاقدية والخاصة، وتعزيز القدرات وتوفير فضاء للحوار والتفكير في مستجدات قضايا حقوق الإنسان دوليا، وإسماع صوت بلدنا وشركائنا في المنتظم الدولي.



وقد كان المغرب سباقا إلى إحداث هذه الآلية الجديدة التي دعت إليها المفوضية السامية لحقوق الإنسان، سنة 2012، لترصيد الخبرة وتطوير التعاون مع الآليات الدولية ومرافقة السياسات العمومية للبلد بإدماج المقاربة الحقوقية في خطط وبرامج مختلف القطاعات



لذلك، ارتأينا هنا أن نحتفي بذكرى الاتفاقية الدولية الخاصة بمناهضة الميز العنصري. ومرافقة بلادنا في ورش رياضي استراتيجي ببعده الحقوقي، والاحتفاء بامرأة رائدة في المجال كوجه ساهم في بناء المنظومة الدولية.



أشكركم على حضوركم الكريم، وأتمنى الأشغال هذا اللقاء كامل النجاح والتوفيق، راجيا أن تسهم مداولاته في بلورة تصورات عملية تعزز التزامنا المشترك بمكافحة التمييز، وتكرس مكانة المغرب كبلد يضع المساواة والكرامة الإنسانية في صلب اختياراته الدستورية والإصلاحية.



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.