الكلمة الختامية للسيد المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان في المنتدى العربي الإفريقي حول المقاولة وحقوق الإنسان
حضرات السيدات والسادة وها نحن نختتم أشغال المنتدى العربي-الإفريقي الأول حول المقاولة وحقوق الإنسان، الذي انعقد بمبادرة من المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بالمملكة المغربية، وبدعم وشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية، ويطيب لي في هذا المقام أن أتوجه ببالغ الشكر والتقدير إلى كل من استجاب لدعوتنا، من وزراء، ورؤساء مؤسسات وطنية، وسفراء، ومسؤولين في منظمات أممية ودولية وإقليمية، بالإضافة إلى نخبة من الخبراء، وفاعلي المجتمع المدني، وممثلي وسائل الإعلام. لقد أكّد مستوى المشاركة، وتنوع المشاريع، والفضاءات الكبرى التي احتضنت فعاليات هذا المنتدى، أن الانشغالات الراهنة وتحدياتها المتعددة لم تعد عائقًا أمام التقائية الرؤى، بل تشكل مناسبة لتعزيز الحوار البنّاء، وتبادل الخبرات، وتقاسم التجارب، بما يرسّخ أسس رؤية جماعية قادرة على مواجهة رهانات المستقبل، وتحقيق التوازن بين كرامة الإنسان، ونمو الاقتصاد، وازدهار المقاولات، ورفاه المجتمعات. وإذا كان صناع القرار ومسؤولو المؤسسات الوطنية والدولية قد ساهموا في بلورة مرتكزات هذا الموضوع ورصد تحوّله داخل المنظومة الدولية ومتطلبات النهوض به، فإن فاعلي المجتمع المدني، وأصحاب الخبرات الميدانية والتجارب المبتكرة، قد سلطوا الضوء على قضايا وتحديات ينبغي إدماجها ضمن أولويات التفعيل، لضمان تنزيل الالتزامات وترجمتها إلى منجزات ملموسة على أرض الواقع. وبانتظار صدور التقرير التركيبي المفصل لأشغال المنتدى باللغات الثلاث، والذي سيتم تعميمه على بريدكم الإلكتروني في أقرب الآجال، يشرفني أن أقدم لكم فيما يلي الخطوط العريضة لأبرز الأفكار والانتظارات التي خلص إليها هذا اللقاء، والتي يمكن تلخيصها كما يلي: • أولًا: سياق تنظيم المنتدى، بما يحمله من أبعاد إقليمية ودولية مرتبطة بتطور العلاقة بين المقاولة وحقوق الإنسان؛ • ثانيًا: الأهداف المتوخاة، وفي مقدمتها تعزيز التقاطع بين السياسات الاقتصادية ومبادئ حقوق الإنسان؛ • ثالثًا: متطلبات المرحلة التحضيرية قبل إعداد الاتفاقية الإطارية، عقب دخول المبادئ الدولية حيز النفاذ؛ • رابعًا: الانكباب على صياغة خطة وطنية ترتكز على معالجة قضايا جوهرية، من قبيل الالتقائية، والتمكين، والمسؤولية الاجتماعية، والانصاف البيئي، وضمان سلاسل إمداد تحترم المعايير الحقوقية. يشرفني، في هذه اللحظة، أن أستعرض أمامكم الخطوط العريضة لأبرز الأفكار والانتظارات التي أفرزتها أشغال المنتدى، والتي سنعمل على بلورتها ضمن تقرير تركيبي مفصل، سيُعمم لاحقًا على بريدكم الإلكتروني باللغات الثلاث المعتمدة. ويسعدني أن أضع بين أيديكم مجموعة من النقاط الرئيسية التي ستشكل مداخل أساسية في التقرير المذكور، والتي تم تداولها بقوة خلال الجلسات العامة، انطلاقًا من الكلمة الافتتاحية التي شَرُفتُ بتقديمها، والتي تطرقت إلى السياق العام لهذا المنتدى، باعتباره يشكل لحظة مفصلية في مسار موضوع بالغ الأهمية: موضوع المقاولة وحقوق الإنسان. وتتجلى أهمية هذه المرحلة في الدينامية المتسارعة التي تعرفها منظومة الأمم المتحدة في هذا المجال، وذلك منذ اعتماد المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان سنة 2011، وصولًا إلى سنة 2025، التي تشهد انكبابًا دوليًا على إعداد اتفاقية دولية جديدة لا تزال في طور المخاض، في ظل تباين المواقف والمصالح، ومحاولة كل طرف تأكيد تموقعه ضمن هذه المنظومة متعددة الأطراف. وتُعد هذه الاتفاقية المرتقبة ثمرة لنقاش قانوني ومؤسساتي عميق، يستند إلى المرجعيات الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهما عهدان تطلب اعتمادهما سنوات طويلة تراوحت بين 45 و66 سنة، في سياق دولي متقلب وحاد. ولا يفوتني في هذا السياق أن أستحضر، بكل اعتزاز، اسم السيدة الراحلة حليمة الوزاري، التي كانت ترأس اللجنة التي أشرفت على اعتماد هذين العهدين، والتي تمثل إحدى العلامات المضيئة في التاريخ الحقوقي للأمم المتحدة. أما عن الأهداف المرجوة من الاتفاقية الجاري إعدادها، فهي تتجسد أساسًا في إرساء إطار قانوني واضح يحدد مسؤوليات الدول، على اعتبار أن المقاولات تُعد جزءًا لا يتجزأ من السياسات العمومية، وبالتالي من الضروري أن تندرج توجهاتها ضمن إطار يضمن الضوابط القانونية الكفيلة بتنظيم نشاطها، بما يحقق التوازن بين حماية مصالح المستثمرين من جهة، واحترام شروط العمل والبيئة الحقوقية للمقاولة من جهة أخرى. إن جعل المقاولة مشروعًا مربحًا يظل هدفًا مشروعًا من زاوية اقتصادية، غير أن ما أكدناه في الكلمة الافتتاحية، هو أن هذا الطموح الربحي يجب أن يقترن بمرافعة مشروعة من أجل صون الكرامة الإنسانية، من خلال احترام جملة من الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، والتي يتعين أن تُؤخذ بعين الاعتبار من طرف الفاعلين الاقتصاديين، وبخاصة المقاولات. ذلك أن أحد أبرز أوجه التحدي اليوم يكمن في ضمان التفاعل الإيجابي لهذه المقاولات مع التشريعات الوطنية، لاسيما تلك التي تُقرها الدولة في انسجام مع التزاماتها الدولية، ونحن نعيش اليوم مرحلة حاسمة تتمثل في الإعداد لاتفاقية جديدة، وسيكون لدخولها حيز التنفيذ ما بعده، إذ من المرتقب أن يُفرز واقعًا قانونيًا ومؤسساتيًا جديدًا، ويفتح نقاشًا مختلفًا حول طبيعة استراتيجيات العمل المطلوبة، وأشكال الترافع الملائمة لتفعيل مضامين الاتفاقية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الاتفاقية تهم طيفًا واسعًا من الفاعلين والشركاء، وفي مقدمتهم: الدولة، والمقاولة، والفرقاء الاجتماعيون من نقابات مركزية، فضلًا عن تمثيليات العمال، الأمر الذي يفرض التزامات جديدة على مستوى الحوار الاجتماعي، ويفتح آفاقًا لمقاربات تشاركية متعددة المستويات. وفي هذا الإطار، برزت خلال النقاشات والورشات مجموعة من المقترحات القيّمة التي شددت على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين منطق الربح والمسؤولية الاجتماعية والبيئية في إطار الأنشطة الاقتصادية. إذ لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة خارج مرجعية حقوق الإنسان، باعتبارها الضامن الأساسي للكرامة الإنسانية، والمقوم الضروري لتعزيز السلم والاستقرار داخل المجتمعات الدولية. ومن هذا المنطلق، فإن المقاولة مطالبة اليوم، ليس فقط بدور اقتصادي، بل بوظيفة اجتماعية وثقافية وبيئية، تجعل منها فاعلًا رئيسيًا في حماية الحقوق، وتكريس مبادئ الإنصاف، في انسجام مع متطلبات التنمية الشاملة. وتلي هذا الدور الاقتصادي للمقاولة مسؤولية جوهرية لا تقل أهمية، تتمثل في حماية حقوق العاملين داخلها، وضمان مصالح الزبائن والمستهلكين، فضلاً عن مساهمتها في تحقيق الوفرة الاقتصادية، وخلق فرص الشغل، ودعم مسارات التنمية الشاملة، دون المساس بالتوازنات البيئية. وهو ما يجعل من المقاولة شريكًا حيويًا في بناء مجتمعات عادلة ومستدامة. وقد برزت خلال جلسات هذا المنتدى، وفي عدد من الورشات، مداخلات نوعية عكست عمق النقاش وتنوع الرؤى. وبالنسبة لي شخصيًا، أود أن أتوقف عند واحدة من أبرز المساهمات التي أثرت النقاش، ويتعلق الأمر بالمداخلة القيمة التي تقدم بها السيد (…)، والتي تناولت موضوع مكافحة الفساد والحكامة الجيدة كعنصرين أساسيين ضمن أي مقاربة شاملة لحقوق الإنسان. وقد تم التأكيد، من خلال هذا الطرح، على أن مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة لا يجب أن تبقى مقتصرة على المؤسسات العمومية أو السياسات الحكومية، بل يجب أن تمتد لتشمل المقاولة والقطاع الخاص، باعتبارهما فاعلين أساسيين في البناء المؤسسي والاقتصادي للدولة. لقد تم التعاطي مع هذا الموضوع خلال المنتدى كقضية محورية، حيث تم الربط بوضوح بين مكافحة الفساد وتعزيز حقوق الإنسان، باعتبار ذلك ضرورة استراتيجية لمستقبل الدول، وضمانًا للمساواة أمام القانون، وتفعيلًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وكذا ترسيخًا للنجاعة والشفافية كأركان جوهرية لأي استراتيجية تنموية مستدامة على المستويات الوطنية، الإقليمية، والدولية. وعليه، يمكن اعتبار الائتلاف المتعدد الفاعلين، والذي تشكل المقاولة أحد مكوناته الأساسية، جزءًا من منظومة أوسع تروم إرساء حكامة شفافة، وتفعيل آليات فعالة لمكافحة الفساد، بما يجعل من هذا الائتلاف مساهمًا فعليًا في المشروع المجتمعي الشامل الذي نسعى إلى بنائه، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي. وقد أكد النقاش، بما لا يدع مجالًا للشك، على الأهمية البالغة لإدماج حقوق الإنسان في الممارسة اليومية للأعمال، وجعلها جزءًا لا يتجزأ من ثقافة المقاولة واستراتيجياتها. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى اعتماد خطط وطنية في مجال الأعمال وحقوق الإنسان داخل كل بلد، تُشكّل النواة الأساسية لرسم معالم استراتيجية شاملة تُمكّن من تحقيق الأهداف السالفة الذكر. ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع ما تنص عليه المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، كما يُنتظر أن يكون مضمونًا ضمن مشروع الاتفاقية الدولية الجاري التفاوض حولها حاليًا. ذلك أن هذه القضايا لا تُعالَج بمجرد رفع الشعارات أو إدراجها كبنود فضفاضة، بل تتطلب رؤى استراتيجية واضحة، وتعبئة شاملة للموارد، وتفعيل الآليات الكفيلة بحماية الحقوق وضمان التزامات الفاعلين، مع تحديد المسؤوليات وكيفية التعامل مع من يخرقها، وفقًا لدرجة الانتهاك. وفي هذا الصدد، ينبغي أن تتعدد الآليات وتتكامل، بين ما هو قضائي، وما هو وساطي أو شبه قضائي، مع ضرورة تكييف هذه الآليات حسب طبيعة الجرم أو الانتهاك، أسوة بما هو معمول به في منظومة حقوق الإنسان على الصعيد الأممي. كما أن الخطط الوطنية تشكل مرآة عاكسة لمدى التقدم المحرز، وخريطة طريق مرجعية يمكن من خلالها تقييم مستوى تنفيذ البرامج والسياسات، وقياس الفجوات القائمة. فإن تمكنا من تحقيق المؤشرات المسطرة، نكون قد سرنا في الاتجاه الصحيح، وإن تعذر بلوغها بالكامل، فإننا نكون على الأقل قد حددنا مواضع الإخفاق وحددنا المسؤوليات، بما يُمكّن كل طرف من الفاعلين من الاضطلاع بدوره في نطاق صلاحياته ومجال مسؤوليته. ولا بد من الانتباه، في هذا السياق، إلى التحديات والاختلالات المحتملة التي قد تعيق تفعيل مقتضيات هذا الالتزام، خاصة في ما يتعلق بمتطلبات التنفيذ العملي. وهنا يبرز جانب محوري يتمثل في ضرورة تبادل الخبرات والتجارب، مع إدراك أن مسار التقدم في هذا المجال ليس خطيًّا ولا ثنائياً بين الأبيض والأسود، بل يتسم بالتدرج داخل الديناميات المجتمعية، ما بين بطء في بعض السياقات، وتسارع في أخرى، تبعًا لإرادة سياسية قابلة للقياس من خلال الممارسات الفعلية.” لكن قبل أن نطالب بتسريع الوتيرة، ينبغي أولاً أن نرصد ما تحقق فعليًا على أرض الواقع: ما هي الممارسات الجيدة؟ ما المؤشرات التي توحي بوجود تقدم؟ لقد اطلعنا خلال هذا المنتدى على عروض حول أداء عدد من الشركات وتنظيم القطاع الخاص، كما لمسنا وجود ديناميات ناشئة داخل القطاع العام، في ما يتعلق بدور المقاولة في المجال الاجتماعي، وفي الحقوق الثقافية، والبيئية، وغيرها. ومن المهم التأكيد على أن هذه الديناميات، حتى وإن لم تُهيكل بعد داخل إطار مؤسساتي شامل، تشكل مداخل واقعية يمكن البناء عليها، شرط توثيقها بدراسات ومقاربات ميدانية. وهذا الفصل من العمل سيكون مدخلًا مهمًا لتوفير معطيات نوعية تتيح مخاطبة باقي الأطراف بشفافية وواقعية. ونعلم جميعًا أن إثارة قضايا حقوق الإنسان خارج الأطر المؤسسية المتخصصة غالبًا ما تثير التخوفات، أو تُقابل باللامبالاة من بعض الفاعلين الذين يعتبرون أن هذه القضايا تعني ‘الآخرين’. والحال أن حقوق الإنسان ليست حكرًا على المندوبية الوزارية أو المجلس الوطني لحقوق الإنسان أو منظمات المجتمع المدني، بل هي إرادة سياسية للدولة بكامل مؤسساتها، وقد تُرجمت فعلاً في عدد من الأوراش الوطنية، كقضية حقوق النساء، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واللغة الأمازيغية، والحقوق الثقافية، وهي كلها حقوق مكرسة في دستور المملكة. “إن هذه الإرادة السياسية لم تعد مجرد موقف أو انخراط ظرفي، بل مسؤولية مؤسساتية تقتضي الترجمة الفعلية داخل السياسات العمومية، بما يُلزم الجميع، كما انخرطوا سابقًا، بحمل هذا المشروع الجماعي. لأن حقوق الإنسان ليست فقط منظومة قانونية، بل أيضًا منظومة قيم وثقافة وسلوكيات، تُرسّخ بالانخراط المدني الواسع، وتتطلب تعبئة قوية لجميع الفاعلين، وخصوصًا على المستوى المحلي.” “في هذا السياق، تبرز أهمية الترافع القوي، القائم ليس فقط على التشخيص أو إثارة الانتهاكات، بل على امتلاك المعرفة والخبرة الكافية، والقدرة على الإقناع، والتأثير في مراكز القرار، سواء على المستوى الحكومي، أو داخل المؤسسات التشريعية، أو في باقي دوائر التأثير الوطني والدولي.” “ويبقى التحدي الأساسي هو كيفية تحويل هذا التعدد في المتدخلين إلى رافعة لدمج قضايا الفئات المهمشة ضمن صلب النقاش حول إدماج حقوق الإنسان في السياسات المقاولاتية والاقتصادية. قضايا النساء، والأطفال، والأشخاص في وضعية إعاقة، ليست ملفات إحسان أو مبادرات طوعية، بل التزامات قانونية للدولة بموجب اتفاقيات دولية، في إطار مبدأ جوهري مفاده أن حقوق الإنسان كلٌّ لا يتجزأ. إن الاتفاقيات الدولية، وإن كانت تُصنّف في القانون الدولي ضمن الأعمال الإجرائية الملزمة، فإنها على المستوى العملي والوظيفي تُجسّد رؤية شمولية، كما تنص على ذلك جميع الاتفاقيات ذات الصلة، والتي تؤكد على أن حقوق الإنسان كلٌّ لا يتجزأ. حين نتحدث عن حقوق المرأة، فإننا نتحدث عن المساواة، وعن توسيع نطاق تمثيليتها في مواقع القرار، وفي المؤسسات الكبرى، وهو ما يجب أن يُدرج ضمن الأولويات الحاضرة بقوة في مختلف النقاشات والاستراتيجيات.” ورغم ما قد يُقال أو يُلاحظ من تباين في وتيرة التقدم، فإننا إذا انتقلنا من المقاربات العامة إلى تحليل المعطيات الميدانية، نجد ممارسات ملموسة لدى عدد من الفاعلين في القطاع الخاص. لقد شهدنا دينامية حوار متقدمة مع بعض الفاعلين الاقتصاديين، وقد أظهرت البيانات أن نسبة حضور النساء في مواقع المسؤولية والإدارة تصل، في بعض النماذج، إلى 40٪، وهي نسبة تتجاوز بكثير ما هو مسجل في باقي القطاعات، بما في ذلك القطاع العمومي. غير أن هذه الممارسات، ورغم أهميتها، لا يمكن تعميمها أو اعتبارها قاعدة شاملة، إذ أن عددًا كبيرًا من المؤسسات لا تزال خارج هذا المسار. وكما يقول بعض الفقهاء: تحققوا قبل أن تصدروا الأحكام. ومن هنا تبرز أهمية التحقيق، لا من باب التشكيك، ولكن بهدف رصد الممارسات الجيدة، والتفاعل معها، وتوسيع دائرتها من خلال تبادل الخبرات وبناء شبكات التعاون. ولبلوغ هذا الهدف، من الضروري الاستثمار في تعزيز القدرات، وإعداد موارد معرفية ومرافقة، تُساعد هذه المؤسسات على تملّك مبادئ حقوق الإنسان، ودمجها في السياسات الداخلية وآليات التسيير، ليس بمعناها المجرد أو النظري، وإنما بمعناها المهني والممارس داخل كل فئة من فئات المجتمع. إن التعامل مع حقوق الإنسان لا يجب أن يكون موحدًا أو نمطيًا، بل يجب أن يُراعى خصوصية كل فاعل بحسب موقعه ووظيفته. فمقاربتنا لحقوق الإنسان في عمل القاضي تختلف عن تعاملنا معها في مجال الطب، أو الأمن، أو التعليم، أو المقاولة. لكل مجال أدواته، وخطابه، وإيقاعه. حقوق الإنسان ليست شعارات، بل هي أدوات عملية لتوجيه السياسات، وترسيخ قيم العدالة والكرامة، وجعل الرؤية أوضح، والمسؤولية مشتركة. فبقدر ما نطالب بها، يجب أن نمتلك الآليات اللازمة لترجمتها ميدانيًا، وفقًا لخصوصية كل قطاع، وفي احترام تام للمعايير الكونية. إن الغاية من كل ما طُرح وتداولناه، هي الوصول إلى رؤية شاملة، وسياسات عمومية تأخذ بعين الاعتبار كرامة الإنسان، وحقوق مختلف الفئات، في مقاربة مندمجة ترتكز على الإنصاف، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة. ولتحقيق هذه الغاية، فإن كافة المكونات مدعوة إلى الانخراط الجماعي: من وسائل الإعلام، والمجتمع المدني، والجامعات، ومراكز البحث، والمؤسسات التربوية. إذ إن لكل فاعل دورًا جوهريًا في تبديد التخوفات، وتعزيز الثقة. لقد مررنا في مراحل سابقة بمرحلة التحفظ والتردد في التطرق لموضوع حقوق الإنسان، أما اليوم، فقد أصبح هذا النقاش مفتوحًا وأكثر عمقًا. لكن لم يعد كافيًا أن نتحدث عن حقوق الإنسان بشكل عام، بل أصبح من الضروري استعمالها كأداة عملية، وكوسيلة فعالة لتغيير التشريعات، وإقناع البرلمانيين بتحمل مسؤولياتهم في مراقبة الأداء الحكومي، وفي ملاءمة القوانين مع الالتزامات الدولية، وجعل السياسات العمومية تعكس فعليًا مضمون تلك الحقوق. نحن في حاجة إلى ثورة ثقافية داخل المجتمع، تترجم توجهات الدولة ومضامين الدستور والاتفاقيات الدولية، وتجعل من حقوق الإنسان ليس مجرد خطاب، بل ممارسة يومية، ومنهجية تفكير، وأسلوب تسيير. كانت هذه بعض القضايا التي رأيت من المهم تقاسمها معكم في هذا السياق، مع التأكيد على أن النقاشات التي عرفتها الورشات قد أفرزت بدورها قضايا وتوصيات مهمة، سيتم دمجها في التقرير التركيبي الختامي، الذي سيرصد خلاصات هذا المنتدى، ويوجه مسارات التفكير والعمل في المستقبل. كل هذه النقاشات والخلاصات التي تم تقاسمها، ستُشكّل دون شك موضوع تقرير موسع، سيُعدّ ويُنشر خلال الأيام المقبلة، ليُوثّق هذا الزخم التفاعلي ويوجه العمل المستقبلي. وبهذه المناسبة، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى جميع المشاركات والمشاركين، كلٌّ باسمه وصفته، على ما أسهموا به من أفكار ورؤى واقتراحات نوعية طيلة هذا الملتقى، والتي أغنت النقاش وأعطته بعدًا استراتيجيًا عميقًا. كما أتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى شركائنا في منظمة الأمم المتحدة، وفي مقدمتهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD)، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، لما قدموه من دعم تقني ومؤسساتي متواصل. ولا يفوتني أن أحيي كذلك شركاءنا على المستوى الوطني، من مختلف القطاعات الحكومية، والمؤسسات الوطنية، والقطاع الخاص، الذين شاركوا بفعالية في إنجاح هذا اللقاء، وبيّنوا التزامهم الحقيقي بقضايا حقوق الإنسان والتنمية المستدامة. كما لا يفوتني أن أخص بالشكر جميع المشاركات والمشاركين، من داخل المغرب وخارجه، بمن فيهم من يشتغل داخل هذه المؤسسة أو في إطار هذا المحور تحديدًا، على مساهماتهم القيمة في إنجاح هذا اللقاء، سواء من خلال حضورهم الفعلي أو من خلال دعمهم التقني والمعنوي.” وفي الختام، أتوجه بخالص الامتنان إلى الجهة المنظمة لهذا المنتدى، التي سهرت على تأمين كل شروط نجاحه، رغم ضيق الوقت وضغط الأجندة، حيث واجهنا ظرفًا زمنيًا دقيقًا أثر على وتيرة التواصل مع عدد من الخبراء والمسؤولين الذين كنا نتطلع إلى مشاركتهم، فضلًا عن الظرفية الدولية التي نعيشها جميعًا، والتي حالت، مع الأسف، دون حضور عدد من المسؤولين، خاصة من بعض الدول العربية الشقيقة. الشكر موصول أيضًا إلى فريق العمل بالمندوبية الوزارية بكل مكوناته: إلى السيدة الكاتبة العامة، والسادة المديرين، والأطر الإدارية والتقنية، الذين أبانوا عن حماس كبير والتزام صادق لإنجاح هذه المحطة. ولا يسعني كذلك إلا أن أعبر عن جزيل الشكر لفريق الترجمة، الذي واكبنا بتفانٍ ومهنية عالية، وسهر على ضمان التواصل الفعّال بين مختلف المشاركين، كما أخص بالشكر إدارة الفندق وكل الطاقم التقني والإداري على ما وفرته من خدمات وتيسيرات طيلة أيام اللقاء. شكرًا لكم جميعًا، وعطلة مباركة، وإلى لقاء قريب بإذن الله في محطات أخرى من العمل المشترك والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته