الثلاثاء 24 يونيو 2025

كلمة السيد المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان في افتتاح المنتدى العربي الإفريقي حول المقاولة وحقوق الإنسان تحت شعار: "من أجل حوار إقليمي داعم لاقتصاد مسؤول محتض لمقاربة حقوق الإنسان"

أصحاب المعالي السيدات والسادة الوزراء، أصحاب السعادة السادة والسيدات رؤساء المؤسسات الوطنية والسفراء وممثلو الدول العربية والافريقية؛ السيدات والسادة ممثلو الهيئات الأممية والمنظمات الدولية والإقليمية؛ السيدات والسادة ممثلو القطاعات الحكومية والهيآت المنتخبة والمؤسسات الوطنية والقطاع الخاص؛ السيدات والسادة الخبراء وممثلو المجتمع المدني ووسائل الإعلام؛ الحضور الكريم كل بصفته واسمه؛ أود في البداية أن أرحب بضيوف المملكة المغربية في هذا المنتدى العربي الإفريقي حول المقاولة وحقوق الإنسان، وأن أتوجه بالشكر لشركاء المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان في تنظيم هذا المنتدى، خاصة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، كما لا يفوتني أن أتوجه بالشكر كذلك لجميع الجهات المغربية الداعمة لتنظيم المنتدى من قطاعات حكومية ومؤسسات وطنية وقطاع عمومي وقطاع خاص. إن المملكة المغربية تستضيف هذا المنتدى إيمانا منها بأهمية موضوعه في الارتقاء بحقوق الإنسان، ولا أدل على ذلك ما جاء في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في ملتقى «تكاملات الاستثمار»، المنعقد بالمملكة المغربية سنة 2005، حيث أبدى جلالة الملك حفظه الله بالغ اهتمامه ب"تبلور حركة واسعة للاستثمارات والتوظيفات المالية تزاوج بين الأهداف المشروعة للربح وبين اعتماد معايير كونية لا تقل مشروعية عنها تتعلق بالمسؤولية الاجتماعية والتنمية البشرية والمستدامة"، مؤكدا جلالته على أن المسؤولية الاجتماعية للمستثمرين لا تنفصل عن المسؤولية الاجتماعية للمقاولات لأنها شرطها ووسيلتها. وكما تعلمون، فإن بناء منظومة حقوق الإنسان جاءت لأنسنة سياسات الدول وتدخلات مؤسساتها ومعالجة ويلات الحروب والصراعات الدولية والتصدي للاختلالات التي تعرفها، من أجل ضمان الكرامة البشرية والحفاظ على الأمن والسلم في العالم وداخل الدول والمجتمعات. وقد تبين أن تحقيق هذا الهدف النبيل يقتضي مراعاة تطور الأنظمة والمجتمعات وتزايد حجم الارتباط بين الدول، ومعالجة قضايا ناشئة فرضتها التحولات الحديثة والمستجدات الضاغطة. وقد برزت ضمن القضايا الناشئة، قضية المقاولة وحقوق الإنسان التي باتت تشغل المنظومة الدولية لحقوق الإنسان منذ مطلع الألفية الثالثة، وذلك بالنظر لكون المقاولة تشكل مجالا حيويا ورئيسيا يكرس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، ولاسيما فيما يتعلق بالالتزامات تجاه العمال في الجوانب المتعلقة بالمساواة والانتماء النقابي والشغل والحماية الاجتماعية وغيرها، وفيما يخص الالتزامات تجاه الزبناء في الجوانب المتصلة بالجودة والسلامة وباقي الالتزامات التعاقدية. كما أن المقاولة أضحت ذلك الفضاء المؤسسي الذي يساهم في تيسير التمتع بحقوق الإنسان، من خلال تأمين الوفرة الاقتصادية وإنتاج الثروة، وتوفير الشغل والخدمات التجارية، والاسهام في تحقيق التنمية وحماية التوازنات البيئية. وبالنظر للأهمية البالغة للموضوع فإن المنظومة الأممية لحقوق الإنسان اعتمدت مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان سنة 2011، وانخرطت في إعداد مشروع اتفاقية دولية ملزمة حول المقاولة وحقوق الإنسان ما زالت المفاوضات بشأنها متواصلة، كما حرصت على تنظيم منتدى الأمم المتحدة المعني بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان. ومواكبة من دول المنطقة العربية والافريقية لهذه الدينامية تم وضع مشروع إطار الاتحاد الإفريقي للسياسات المتعلقة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان. كما تم تنظيم المؤتمر البرلماني الإقليمي لشمال أفريقيا والشرق الأوسط حول حقوق الإنسان والأعمال التجارية بالمملكة المغربية سنة 2017، واللقاء الإفريقي حول المقاولة وحقوق الإنسان الذي ينظم دوريا منذ 2022، والحوار العربي حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان المنظم بقطر سنة 2024. وتتعزز هذه الدينامية الاقليمية بهذا المنتدى العربي الافريقي الذي يعكس رغبة مشتركة لمواصلة التفاعل الحضاري المثمر وتعزيز الحوار بشأن الشراكة والتعاون بين المنطقة العربية وعمقها الإفريقي. حضرات السيدات والسادة؛ لا شك أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتباينة بين الدول الصناعية المتقدمة بالشمال ودول الجنوب المتطلعة لإرساء أسس تنمية اقتصادية تحفظ كرامة الإنسان، تفرض تنسيق وتوحيد الجهود على الصعيدين العربي والإفريقي لانخراط ناجع في الديناميات والمبادرات الدولية ذات الصلة بالمقاولة وحقوق الإنسان، لما لهما من تحديات وتطلعات مشتركة في المجالات الاقتصادية والتنموية، وفي مجال حقوق الإنسان. ومن المؤكد أن الحماية القانونية لحقوق الإنسان في سياق النشاط المقاولاتي، تستدعي دعمها بمقاربة للتخطيط الاستراتيجي، ولاسيما من خلال التفكير في وضع خطط عمل وطنية في هذا المجال، تهدف إلى تشجيع المقاولات على اعتماد مرجعيات مؤطرة للممارسات من خلال مقاربة حقوق الإنسان، وتقييم أثر أنشطتها والرفع من قدرات الفاعلين وتعزيز المعرفة العلمية ذات الصلة، والوعي بالمسؤولية المشتركة لكل الفرقاء في إنجاح هذه المقاربة. ولا يفوتني التذكير بالمبادرات القيمة المتعلقة بإدراج موضوع المقاولة وحقوق الإنسان بأجندات شبكات المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، والآليات العربية والافريقية المعنية بحقوق الإنسان، كما لا يفوتني أن أحيي بعض الممارسات الفضلى على الصعيد الوطني التي ينبغي تشجيعها وتقاسمها مع دول المنطقة، وخاصة الأعمال المتصلة بإرساء البعد الحقوقي في الوسط المقاولاتي بالمملكة المغربية، وكذا المبادرات النموذجية لمؤسسات عمومية صناعية وتجارية ومقاولات عمومية وخاصة بشأن تكريس المسؤولية الاجتماعية والنهوض بالأبعاد التضامنية وتجسيد مفهوم المقاولة المواطنة، وهي الممارسات الجيدة التي نجد لها نظائر في عدد من الدول الإفريقية والعربية، والتي ينبغي العمل على تشجيعها وتقاسمها والاستفادة منها. ومن هذا المنطلق، وترصيدا للحوارات والمشاورات العربية والإفريقية السابقة في الموضوع، نلتئم اليوم بأرض المملكة المغربية في هذا المنتدى الذي يجمع مختلف الفاعلين بالمنطقتين العربية والإفريقية، استشرافا لأفقٍ للحوار وللتنسيق المشترك، يعزز مكانة وحضور الدول العربية والإفريقية في المبادرات الدولية في مجال المقاولة وحقوق الإنسان و يُعبئ مؤسساتها وهيئاتها لمراعاة واستحضار هذه الديناميات في عملها وخططها، سواء تعلق الأمر بتنفيذ سياسات عمومية، أو الانخراط في مبادرات تكامل وتنمية واندماج اقتصادي إقليمي، أو أجندات دولية كأهداف التنمية المستدامة. ولهذه الغاية، ينتظم برنامج عمل هذا المنتدى في جلسة رفيعة المستوى تتوخى وضع هذا الموضوع في سياقه الاستراتيجي العام للمنطقة العربية الإفريقية، من خلال تسليط الضوء على أهمية العمل على تحقيق نمو اقتصادي ومستدام ينبني على مقاربة حقوق الإنسان، ويأخذ في الاعتبار التحديات الكبرى التي تعترض هذه الدول في هذا المسار في تقاطع مع محورية موضوع المقاولة. كما ستتناول أشغال المنتدى محاور استراتيجية، كالمحور الخاص بالمقاولة وحقوق الإنسان في السياسات الوطنية، والمحور الخاص بالاتفاقيات الاستثمارية الدولية ودورها في تكريس هذا الالتزام. واعتبارا لراهنية الحقوق الأساسية في سياق الأعمال التجارية بالمنطقة العربية والإفريقية، ستشمل أشغاله تبادل التجارب والممارسات، والقضايا الأساسية المرتبطة بتكريس الحوار الاجتماعي الثلاثي، والحماية الاجتماعية والقضاء على كل أشكال العمل الجبري وعمل الأطفال والتمييز في مجال الشغل والمساواة بين الجنسين والتفاوتات المجالية والاجتماعية، إضافة إلى الحوار بين المقاولات في موضوع تحقيقها للتوازن بين احترام حقوق الإنسان والاستدامة والتنافسية الاقتصادية. حضرات السيدات والسادة؛ إن المملكة المغربية إذ تستضيف أشغال هذا المنتدى العربي الإفريقي، لحريصة على عرض وتقاسم تجربتها الوطنية بعناصر قوتها وبما يعترضها من تحديات، وتقوية التنسيق الإقليمي الثنائي والمتعدد الأطراف، خدمة لمنظور يجعل الإنسان مركز التنمية ويرتقي بالتعاون والتضامن والاندماج الإقليمي وفق منظور الاستدامة. ولا شك أن مخرجات وخلاصات الجلسات والورشات الموضوعاتية الغنية بمواضيعها الشاملة وتنوع المتدخلين ستشكل إضافة نوعية للمبادرات الإفريقية والعربية في هذا المجال، وفرصة لتوحيد جهود المنطقتين وانخراطهما الدولي الوازن في المبادرات والأجندات الدولية، بما يراعي مصالحهما وخصوصياتها وأولوياتهما، ويقوي التعاون جنوب-جنوب خدمة لتحقيق تنمية بشرية مستدامة ويعزز مكانة اقتصادها دوليا. في الختام وإذ أجدد الترحيب بضيوفنا الكرام، أتمنى كامل التوفيق والسداد لأشغال هذا المنتدى. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته