الثلاثاء 01 يوليو 2025

كلمة في اللقاء رفيع المستوى حول: "السلوك المسؤول للمقاولات: التحديات وفرص تعزيز حقوق الإنسان"

سعادة السفير، ممثل المملكة المغربية لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجنيف،

السيد رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب بمجلس المستشارين،

السيدات والسادة ممثلو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان

السيدات والسادة

الحضور الكريم،

إنه لمن دواعي السرور أن أشارك في هذا اللقاء رفيع المستوى حول "السلوك المسؤول للمقاولات: التحديات وفرص تعزيز حقوق الإنسان"، وهو أحد المواضيع الناشئة الأكثر أهمية وملاءمة يعكس العلاقة الوثيقة بين حقوق الإنسان والتنمية والسياسات الاقتصادية والأنشطة التجارية، خصوصا في عالم مترابط تتشابك فيه الأنظمة والبيئات والأبعاد وتتأثر بتحولات عميقة لها انعكاسات مباشرة على التمتع بحقوق الإنسان.

نجتمع اليوم لمناقشة هذا الموضوع بعد أقل من أسبوع عن استضافة المملكة المغربية لأول منتدى عربي إفريقي حول هذا الموضوع، الذي نظم يومي 24 و25 يونيو 2025، بحضور أكثر من 300 مشارك مثلوا 32 دولة إفريقية وعربية، من بينهم مسؤولين حكوميين وبرلمانيين وممثلي عن مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، ومنظمات دولية، إلى جانب خبراء من هيئات دولية وجامعات وجمعيات المجتمع المدني والقطاع الخاص.

لقد كان الهدف من هذا المنتدى العربي الإفريقي متابعة الدينامية الدولية وجعل الفضاءات الإقليمية فرصة لإقامة الروابط والتكامل بين النظام الدولي والأنظمة الإقليمية لحقوق الإنسان، واستثمار فرص التعاون وتبادل الخبرات بين الدول، وأنظمتها المؤسساتية، والفاعلين المعنيين بتعزيز حقوق الإنسان.

وبالنظر إلى النتائج المهمة لهذا المنتدى، الذي عزز الديناميات الناتجة عن المنتديات الدولية والإقليمية الأخرى ذات الصلة، ارتأينا أهمية مشاركتكم أهم الخلاصات التي تم توصل إليها، وفتح النقاش الجماعي بشأنها بما يسهم في تعزيز التوجه الدولي نحو صياغة أداة دولية ملزمة، ودعم الالتزام بالمعايير الدولية والإقليمية ذات الصلة، ومنح فرص تعزيز حقوق الإنسان في سياق الأنشطة التجارية، وتطوير السلوك المسؤول داخل المقاولات، من أجل ترسيخ أسس رؤية عالمية مشتركة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق التوازن بين كرامة الإنسان والنمو الاقتصادي وازدهار الشركات وتحقيق رفاهية المجتمعات.

وقد عبّر المشاركون في هذا المنتدى عن اقتناعهم بأهمية وفعالية حقوق الإنسان لضمان كرامة الإنسان، وتحقيق السلام ومنح فرص واعدة للتنمية البشرية المستدامة، استنادا إلى خبرات واسعة وممارسات متراكمة، قادرة على إبراز القضايا والتحديات التي ينبغي إدراجها ضمن أولويات تنفيذ المعايير الدولية، ودراسة سبل ضمان تنفيذ الالتزامات وتحويلها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وفي هذا الصدد، أتاح المنتدى العربي الإفريقي حول المقاولة وحقوق الإنسان إمكانية مناقشة الأبعاد الإقليمية والدولية المتعلقة بتطور العلاقة بين المقاولات وحقوق الإنسان، وتأثيرها على الاستقرار والتنمية ونمو الدول، لا سيما فيما يتعلق بتعزيز التلاقي بين السياسات الاقتصادية ومبادئ حقوق الإنسان، إضافة إلى رصد المتطلبات المتعلقة بدعم عملية إعداد المعاهدة الدولية في هذا المجال، في سياق دولي مضطرب ومتقلب، بما يتيح إقامة إطار قانوني واضح يحدد مسؤوليات الدول، بالنظر إلى أن الشركات جزء لا يتجزأ من السياسات العمومية، ومن تم، ينبغي أن تتوافق توجهاتها مع الالتزامات القانونية وكذا الطوعية لضمان تنظيم أنشطتها ضمن إطار يحقق التوازن بين حماية مصالح المستثمرين، من جهة، واحترام شروط العمل والبيئة القانونية للمقاولة، من جهة أخرى.

وشكلت المبادئ التوجيهية ذات الصلة للأمم المتحدة ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إحدى نقاط الانطلاق الأساسية التي تم فحصها في هذا المنتدى، لأنها تمثل الحد الأدنى من معايير الحماية المطلوبة والمبادئ التوجيهية.

كما كانت أهداف التنمية المستدامة في مجالات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتعلقة بالأنشطة التجارية أحد المراجع المستخدمة في المناقشة حول متطلبات تعزيز دور المقاولة في تنفيذها، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية، ومراعاة تغير المناخ، وتكريس المساواة بين الجنسين، والحفاظ على التوازنات البيئية، والقضاء على ظاهرة تشغيل الأطفال وحمايتهم من الاستغلال الاقتصادي، مما يجعل هذه الأهداف إطارا مناسبا لتنفيذ المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة المذكورة أعلاه.

ولا شك أن هذه التوجهات، التي ناقشها المشاركون بحوار هادئ وبنّاء، أكدت أن ريادة الأعمال بقدر ما أنها تمثل آلية لتحقيق الربحية والأهداف الاقتصادية المشروعة، ينبغي أن تصاحبها آلية قانونية تحفظ كرامة الإنسان، وتجعل من الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال وسيلة لتطوير نماذج تنموية مبتكرة ومستدامة توفر الأمن وتحقق السلام الاجتماعي.

ومن الواضح في هذا الصدد أن أحد التحديات الرئيسية الحالية يكمن في ضمان التفاعل الإيجابي لهذه المقاولات مع التشريعات الوطنية، لا سيما تلك التي تعتمدها الدولة وفقا للالتزامات الدولية المتزايدة، إذ يمكن الالتزام بها واقعا قانونيا ومؤسساتيا جديدا يتطلب وضع استراتيجيات عمل مناسبة والبحث عن أساليب تواصل فعالة.

ويتجلى التحدي الآخر في تحفيز المجتمع لضمان وفاء كافة الفاعلين والشركاء، على رأسهم الدولة والمقاولات والفرقاء الاجتماعيون، بالشروط اللازمة لتنفيذ هذه المعايير، وهو ما يفرض التزامات جديدة في مجال الحوار الاجتماعي ويفتح الطريق لنهج تشاركي متعدد المستويات.

وأشكركم على حسن انتباهكم.