كلمة السيد المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان بمناسبة توقيع اتفاقية التعاون مع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها
يسعدني بالغ السعادة أن نُشرف اليوم معا على توقيع اتفاقية التعاون بين المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
وتكتسي هذه الاتفاقية أهمية خاصة، لأنها تجسد قناعة مشتركة مفادها أن الوقاية من الفساد وحماية حقوق الإنسان لا يمثلان مسارين منفصلين، بل يشكلان بعدين متكاملين ومتلازمين لدولة الحق والقانون، والحكامة الجيدة، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وقد كرس دستور المملكة هذا الترابط بشكل واضح، من خلال المبادئ المتعلقة بالحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والشفافية، والمساواة، وحماية الحقوق والحريات الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن مكافحة الفساد لا يمكن اختزالها في بعدها القانوني أو الإداري فقط، بل إنها تمثل كذلك رهانا إنسانيا وديمقراطيا عميقا، بالنظر إلى ما يخلفه الفساد من آثار مباشرة على التمتع الفعلي بحقوق المواطنين.
فالفساد يضعف الثقة في المؤسسات، ويعمق الفوارق، ويؤثر على نجاعة السياسات العمومية، كما يمس بمبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات الأساسية. وقد تكون له انعكاسات ملموسة على ممارسة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، لاسيما عندما يطال قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والعدالة والخدمات العمومية.
ومن هنا، تبرز القيمة المضافة التي توفرها المقاربة القائمة على حقوق الإنسان في مجال الوقاية من الفساد، باعتبارها تضع الكرامة الإنسانية، والمساواة، والمشاركة، والحق في الحصول على المعلومة، والشفافية، والمساءلة، في صلب العمل العمومي.
وتهدف الاتفاقية التي نوقعها اليوم تحديدا إلى تعزيز هذا التقاطع الاستراتيجي بين مؤسستينا.
وستمكن هذه الاتفاقية، على الخصوص، من:
- تطوير تبادل الخبرات والمعطيات؛
- تعزيز برامج التكوين والتحسيس المشتركة؛
- إنجاز دراسات وتحاليل حول أثر الفساد على التمتع الفعلي بالحقوق؛
- والمساهمة في بلورة سياسات عمومية ترتكز بشكل أكبر على مبادئ النزاهة والشفافية والحكامة المسؤولة.
وإلى جانب بعدها المؤسساتي، تحمل هذه الاتفاقية أيضا طموحا أوسع يتمثل في الإسهام في ترسيخ ثقافة النزاهة والحقوق، خدمة للمصلحة العامة وتعزيزا لثقة المواطنات والمواطنين في المؤسسات.
السيدات والسادة،
تندرج هذه الدينامية كذلك في إطار التزامات المملكة المغربية على المستوى الدولي.
فبلادنا طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تؤكد على أهمية التدابير الوقائية باعتبارها رافعة أساسية للتصدي لهذه الظاهرة.
وبالموازاة مع ذلك، أبرزت التطورات الأخيرة داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الترابط المتزايد بين الوقاية من الفساد وحماية حقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، أكد قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 59/6، المعتمد في يوليوز 2025، أن تعزيز وحماية حقوق الإنسان والوقاية من الفساد ومكافحته يشكلان مجالات متكاملة ومتبادلة التعزيز.
ويعكس هذا التطور وعيا دوليا متزايدا بأن الفساد لا يمثل فقط تحديا مرتبطا بالحكامة أو الامتثال، بل يشكل أيضا عائقا أمام التنمية البشرية، والعدالة الاجتماعية، والتمتع الفعلي بالحقوق الأساسية.
وانطلاقا من هذه الرؤية، ستنظم مؤسستانا قريبا بمدينة جنيف خلال الشهر القادم، على هامش الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، ندوة موازية حول موضوع: "حماية حقوق الإنسان من خلال الوقاية من الفساد" بمشاركة خبراء دوليين.
وستشكل هذه الندوة الدولية مناسبة مهمة لتعزيز تبادل التجارب والممارسات الفضلى، وتقوية أوجه التكامل بين المسارات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ومكافحة الفساد، وكذا إبراز التجارب الوطنية الرائدة في هذا المجال، وتقاسم خلاصات ومسار التجربة المغربية.
كما ستتيح التأكيد على أهمية التعاون بين المؤسسات الوطنية المعنية، سواء تعلق الأمر بالآليات الوطنية لحقوق الإنسان، أو هيئات الوقاية من الفساد، أو الآليات الوطنية المكلفة بمتابعة تنفيذ الالتزامات الدولية.
السيدات والسادة،
إن توقيع هذه الاتفاقية يشكل محطة مهمة في مسار تعزيز التكامل المؤسساتي حول هدف مشترك يتمثل في ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز الحكامة المسؤولة، وضمان فعالية أكبر لحقوق الإنسان.
واغتنم هذه المناسبة لأشيد بانخراط الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وبروح التعاون التي طبعت إعداد هذه الشراكة وببعد الرؤية الاستراتيجية التي تعمل بها وانفتاحها المؤسساتي لتقوية العمل المشترك مع مختلف الفاعلين.
كما أتطلع إلى أن تشكل هذه الاتفاقية منطلقا لدينامية مستدامة قائمة على العمل المشترك، وتقاسم الخبرات، والتعبئة الجماعية، خدمة للمواطنات والمواطنين، وللقيم التي يكرسها دستور المملكة ويرعاها بوجاهة وبعد نظر جلالة الملك محمد السادس حفظه الله.
وفقنا الله لما فيه خير بلدنا والسلام عليكم ورحمة الله.