الخميس 25 يونيو 2026

كلمة السيد محمد الحبيب بلكوش المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان في الندوة الموازية حول: "حماية حقوق الإنسان من خلال الوقاية من الفساد"

السيد الرئيس،

السيدة والسادة الأجلاء كل باسمه وصفته،

الحضور الكريم،

أود في البداية أن أتوجه إليكم بجزيل الشكر على مساهمتكم وحضوركم هذا اللقاء المخصص لموضوع تتزايد أهميته يوماً بعد يوم في النقاشات الدولية، ألا وهو حماية حقوق الإنسان من خلال الوقاية من الفساد.

إن تنظيم هذا الملتقى على هامش الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان يجسد قناعة أصبحت اليوم محل توافق واسع داخل المجتمع الدولي، مفادها أن تعزيز حقوق الإنسان والوقاية من الفساد يرتبطان ارتباطاً وثيقاً ويتعززان بشكل متبادل.

ولسنوات طويلة، جرى تناول الفساد أساساً من زاوية الحكامة أو التدبير العمومي أو الزجر الجنائي. ورغم أن هذه الأبعاد تكتسي أهمية كبيرة، فإن التطورات التي شهدها القانون الدولي والممارسة الدولية خلال السنوات الأخيرة أبرزت حقيقة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في كون الفساد يشكل أيضاً عائقاً رئيسياً أمام التمتع الفعلي بحقوق الإنسان.

فعندما يؤثر الفساد على الولوج إلى العدالة أو الرعاية الصحية أو التعليم أو الشغل أو الخدمات العمومية، فإنه يحرم الأفراد من حقوق مشروعة يفترض أن يتمتعوا بها. كما أنه يضعف الثقة في المؤسسات، ويعمق أوجه التفاوت، ويقوض الجهود الرامية إلى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

وإذا كانت آثار الفساد تمس المجتمع بأسره، فإنها غالباً ما تقع بشكل أشد على الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما النساء، والأطفال، والفئات المهمشة.

فكل مورد يتم تحويله أو تبديده بسبب الفساد هو مورد لم يعد متاحاً لتمويل مدرسة أو مستشفى أو برنامج للحماية الاجتماعية أو سياسة عمومية تروم تحسين ظروف عيش المواطنين.

السيدات والسادة،

أمام هذه التحديات، تبرز الوقاية اليوم باعتبارها أحد أكثر المداخل فعالية لمكافحة الفساد، وبالتالي لتعزيز حماية حقوق الإنسان.

وهذا هو بالضبط التوجه الذي تجسده اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وإعلان مراكش بشأن الوقاية من الفساد، فضلاً عن القرارات المتعاقبة الصادرة في إطار مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية.

وفي السياق نفسه، أولى مجلس حقوق الإنسان اهتماما متناميا لهذه الإشكالية. ويُمثل القرار رقم 59/6، المعتمد في يوليوز 2025، محطة مهمة في هذا المسار، إذ أكد بشكل صريح أن تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، كما الوقاية من الفساد ومكافحته، مجالات متكاملة ومتبادلة التأثير.

ويعكس هذا التطور تنامياً في الوعي الدولي بأن مكافحة الفساد لا يمكن أن تحقق كامل فعاليتها دون إدماج المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

فالشفافية، والحق في الحصول على المعلومات، والمشاركة المواطنة، وحرية التعبير، والمساءلة، وسيادة القانون، لا تمثل فقط حقوقاً وضمانات ديمقراطية، بل تشكل أيضاً أدوات أساسية للوقاية من الفساد.

وفي هذا الإطار، يكتسي دور المؤسسات الوطنية أهمية خاصة.

فالهيئات المكلفة بالوقاية من الفساد، والمؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان، والآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والمتابعة، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، تتوفر على إمكانيات كبيرة للتكامل والعمل المشترك.

ويشكل تعزيز أوجه التآزر والتنسيق بين مختلف هؤلاء الفاعلين أولوية أساسية من أجل الرفع من فعالية السياسات العمومية وترسيخ أسس الحكامة الجيدة.

وقد تجسدت هذه القناعة في التجربة المغربية من خلال اتفاقية التعاون المبرمة بين المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والتي تعكس أهمية اعتماد مقاربة مندمجة قائمة على التكامل بين الوقاية من الفساد والحكامة الجيدة وحماية حقوق الإنسان.

كما أن لقاءنا اليوم، يروم إثراء النقاش الجماعي، وتشجيع تبادل التجارب والخبرات، وتعزيز جسور التعاون بين مختلف المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية ذات الصلة.

السيدات والسادة،

إن التحديات التي نواجهها اليوم تستدعي أيضاً تعزيز التعاون الدولي.

كما تستوجب مزيداً من الانسجام والتكامل بين المسارات الدولية ذات الصلة، سواء تلك التي تحتضنها جنيف في مجال حقوق الإنسان، أو فيينا في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، أو نيويورك في إطار تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

ويظل هذا التقارب ضرورياً من أجل بناء مجتمعات أكثر شفافية وشمولاً وقدرة على الصمود، بما يضمن لكل فرد التمتع الفعلي بحقوقه.

ولا شك أن توسيع دائرة حاملي هذه الرسالة ستساهم في بلورة أفكار عملية لتعميق هذا النقاش، وتبادل الممارسات الفضلى، وتعزيز الشراكات خدمة لهدف مشترك يتمثل في بناء مجتمعات قائمة على النزاهة والشفافية والمسؤولية، وتعزيز حماية حقوق الإنسان من خلال الوقاية من الفساد.

شكراً لكم على حسن الإصغاء.